نَظْرَةُ الإِمَامِ الصَّدْرِ إِلَى حَرَكَةِ المَحْرُوْمِيْن
الإمَامُ المُغيَب السيد موسى الصدر

نَظْرَةُ الإِمَامِ الصَّدْرِ إِلَى حَرَكَةِ المَحْرُوْمِيْن
كانت حركة المحرومين في نظر الإمام موسى الصدر الواجب المقدس الذي تجب مناصرته وحمايته ودعمه بجميع الإمكانيات، ولذا فقد سعى ليل نهار لتطوير العمل العسكري للمقاومة، وراح يجمع المال بالليرة ويشتري السلاح الذي كان في رأيه الأمل الأكبر في تحرير الأرض والدفاع عنها، وقد توهم الكثيرون بأن الإمام قد ألغى فكرة المقاومة بعد الإنفجار الذي وقع، ولذا فقد وُجّه إليه سؤال حول تياره وأنه قد انحسر بعد الإنفجار؟ فأجابهم الإمام قائلاً: إن تيار حركة المحرومين وإيديولوجيتها، أي انطلاق الانسان المحروم لمعالجة حرمانه، انطلاقاً من مبدأ الايمان بالله كهدف وكمسلك أقول إن هذا التيار كان وسيبقى في لبنان، وفي خارجه، وهو أكبر من الإمام ومن الأحداث كلها، ويشرفني أن أكون من الذين أدركوا عمق هذا التيار وآمنوا بالناس وبقوتهم، وبقوة ايمانهم، وبقداسة نضالهم:
وفي نفس الوقت أشار الإمام إلى أهمية دور المقاومة وأنها أشرف هدف في هذا الوجود، وهذا ما تعلّمه من جده الإمام الحسين(ع)، وقد تابع الإمام الصدر كلامه بالقول: ولا يمكن أن نقدم أعز ما نملك بل جميع ما نملك إلا لأعز هدف وفي سبيل أشرف مقصد، فالحياة رأس مالنا الوحيد في الوجود، وفرصتنا الواحدة على مسرح الكون، الفرصة التي لا تتكرر أبدًا، وبذل الحياة كل الحياة وفي لحظة واحدة لن يكون إلا لما هو أشرف منها وفي سبيل ما هو أبقى وأغلى، في سبيل الله، والله هو الحق:
ولعل الإمام يحاول أن يبين الفرق بين حركة المحرومين وغيرها من الحركات والأحزاب اللبنانية مبيّناً أن أهدافها ليست خاصة فهي ليست عنصرية ولا طائفية ولا حركة منغلقة بل هي حركة من أجل كل لبنان من دون استثناء، وهذا ما أشار إليه في بعض المقابلات التي أجْرِيَت معه حيث قال: إننا نقاتل من أجل الإنسان، …ومن أجل وحدة لبنان، من أجل منع قيام إسرائيل أخرى، أو إسرائيلات تدعم إسرائيل الأم، ولكي نمنع تصنيف الإنسان وتحقيره وتشويهه تحت كابوس الفكر الإسرائيلي العنصري،… ولقد رفضنا وسنرفض بقوة حمل السلاح في سبيل التحديات أو المنافسات أو الإنفعالات الطائفية، وحتى من أجل الرد على الإستفزازات الفردية أو الجماعية:
وفي موضع آخر قال: حركة المحرومين أو على الأصح “منظمة أمل” موجودة وتعمل، أما بالنسبة الى التنظيم العسكري فكان تعبيراً عن رفض الكومندوس الاسرائيلي في الأراضي اللبنانية، فهذه معاناة جنوبية ما كان يحسها أو يشعر بها سوى الجنوبيين عندما كان الكومندوس الاسرائيلي يدخل العمق اللبناني في الجنوب ويأخذ من يشاء ويهدم ما تيسر من المنازل، من هنا جاءت فكرة “منظمة أمل” لردع ومحاربة هذا الواقع المخزي في الجنوب، إذاً، تنظيمنا يعمل بصمت لأننا كلنا يعرف أن البلاد بحاجة الى أيادٍ مخلصة تقدم الخدمات بمعزل عن التجارة في العمل السياسي أو العسكري:
بهذه الكلمات كشف الإمام الصدر عن الدور الكبير الذي تلعبه المقاومة وخصوصاً حركة المحرومين التي حملت هموم لبنان في حين أن غيرها حمل السلاح من أجل أهداف شخصية أو من أجل الدفاع عن إسرائيل وتبرير تجاوزاتها واعتداءاتها ضد أهل الجنوب، وبمعنى آخر كانت حركة المحرومين فريقاً خاصاً لهدف عام، وكان غيرها فرقاء خاصون وعامون لأهداف خاصة.
حَرَكَةُ أَمَل
بسبب فكره الواسع ونظرته إلى المستقبل الذي رآه مظلماً وقاسياً أسس الإمام الصدر حركة شعبية شارك فيها الكثيرون من أبناء هذا الوطن لتكون نبراساً ومتراساً لهذا البلد المعذَّب وجنوبه الجريح الذي آلمه أطماع اليهود وأذنابهم.
وقد أطلق الإمام الصدر إسماً لهذه الحركة يتناسب مع واقع أبنائها الذين كانوا محرومين من أبسط حقوقهم، وقد كان هذا الإسم مؤقتاً في نظر الإمام الذي غيّره بعد أن أوصل هذه الحركة إلى العديد من الأهداف التي رسمها لها من قبل.
لقد تغيّر إسم هذه الحركة بحسب المراحل التي مرّت بها ليصبح إسمها(حركة أمل) بعد أن كان(حركة المحرومين) و(أفواج المقاومة اللبنانية أمل) ولم يكن إطلاق هذا الإسم الجديد عن عبث، بل كان عن دراسة واسعة وتأمُّلٍ كبير إذ كان الإمام الصدر يؤمن بنتائج حركة الكون والحياة حيث كان من المستحيل أن يحقق الإنسان أهدافه ويصل إلى مطلوبه من دون أن يقوم بالحركة المناسبة، وكل شيء في هذه الحياة يحتاج إلى حركة حتى تصنعه أو تبنيه أو تزينه أو تطوّره، فأطلق هذا الإسم على حركته الشعبية لتكون ملازمة للحركة البناءة التي يكون بها الإستمرار والإستقرار، ثم قرن إلى مفهوم الحركة مفهوماً كريماً وواسعاً له مدلولاته الكبرى وآثاره الطيبة على كل عمل يمكن أن يطمح له الإنسان، وهو الأمل، فزرع في قلوب الناس هذين المفهومين ليعيشوا سعداء لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم، ولولا الحركة والأمل لتهاون الجميع في العمل، والتهاون في العمل يعني العدم والزوال.
وقد تحدث الإمام الصدر عن حركة أمل كثيراً، ومما قاله في حقها قبيل اختطافه: إنها حركة جماهيرية مؤمنة بالله لها خطها وايديولوجيتها وتنظيمها المتصاعد، لقد كان لحركة “أمل” فضل كبير وضحايا وشهداء في الهجمات الاسرائيلية المتكررة على الجنوب، وبالتالي في منع صهينة القطاع الحدودي من لبنان، وستستمر بإذن الله في خطها الوطني التقدمي المؤمن:
وقبل اختطافه في ليبيا أودع أمانته في أيدٍ أمينة حيث حمّلها رئيسها الحالي(دولة الأستاذ نبيه بري) الذي أدى مهمته على أكمل وجه وتابع مسيرة الإمام في حفظ الحركة.
الإِمَامُ الصَّدْرُ وَمِثَاقُ الحَرَكَة
من خلال نظرة تأمُّلٍ بسيطة إلى بنود ميثاق الحركة ندرك حجم ونوعية الأهداف التي كان يسعى الإمام الصدر إلى تحقيقها، وهذه البنود تُعتبر دستوراً جامعاً لهذه الحركة الكريمة التي أراد الإمام الصدر أن يجعلها في مستوى رفيع لا يرقى إليها الطير لتكون بمأمن من التيارات الفكرية الحاقدة، وبمعزِلٍ عن كل التجاذبات السياسية والحزبية الداخلية والخارجية.
لقد اشتملت هذه البنود على مفاهيم كبرى وردود لكل ما يمكن أن يُطرح حول تأسيس هذه الحركة في تلك الظروف الأمنية والإجتماعية التي كانت محدقةً بالوطن وخصوصاً بالجنوب والبقاع.
ولم تُدوَّن هذه البنود بجلسة واحدة أو اجتماع واحد مع بعض الكوادر والمفكرين وأصحاب العقول الكبيرة، وإنما أخذت هذه البنود من الوقت ما يكفي لجعلها بمنأى عن أي إشكال قد يطرأ حيث استغرق وضعها ودراستها أشهراً عديدة.
وهذه البنود الكريمة تحمل من المنافع ما لا يمكن ذكره لأبناء الحركة ومؤيّديها وغيرهم لأن الفوائد منها عامة، وباستطاعة أي إنسان من أية فئة كان أن يطّلع عليها وعلى شروحاتها في أي وقت من الأوقات لأن أبواب المعرفة عند هذه الحركة الكريمة مفتوحة للجميع على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم.
وعلى ذكر أهمية هذه البنود وعدم معرفة الكثيرين منا لأعماقها وأبعادها فقد طُلب مني في أوائل التسعينيات أن أقوم بدورة تدريسية لبنود ميثاق الحركة في غضون شهرٍ واحد من الزمن على أن يتم فيه ثمان جلسات فرفضت الفكرة من أساسها وقلت للأخ الذي طلب مني ذلك: إن بيان أبعاد الميثاق بالمعنى الحقيقي وخصوصاً للأخوة في الحركة لا يمكن أن يبدأ وينتهي في شهر أو شهرين ولو أردت أن أبيّن مفاهيم البند الأول فقط كما أراد الإمام الصدر لاستغرق ذلك من الوقت أكثر من سنة، ثم طلبت منه أن يراجع حساباته قبل أن يطرح فكرة تدريس الميثاق بهذه الطريقة السطحية إذ لا يليق بهذا الميثاق الذي وضعه الإمام الصدر في غضون أشهر وبعد اجتماعات لا تُعد ولا تحصى من قِبل المعنيين وعلى رأسهم الإمام الصدر أن يكون تدريسه سطحياً أو بشكل عابر، وأنا شخصياً أعتبر تدريس الميثاق بهذه الطريقة خلافاً للوفاء وتضارباً مع الإخلاص لهذا النهج النبوي الديني والإنساني في ذات الوقت.
ومن استطاع أن يُدرك معنى هذه البنود فقد فهم واقع الحركة وهدف الإمام القائد من تأسيسها، بل وهدفه من وضع هذه البنود التي تتكفل ببناء الإنسان الكامل والمجتمع الصالح والأمة المجاهدة حيث رسم الإمام بتلك البنود خريطة طريق المجتمع الذي فهم هذه الحركة وقبِلَها واحتضنها إلا أصحاب المطامع الخاصة الذين حاولوا أن يضللوا الرأي العام تجاهها عبر بث الأكاذيب في أذهان اللبنانيين عموماً وأهل الحركة خصوصاً.
وعندما نتحدث عن هذا الميثاق العظيم فإننا ندخل من خلاله إلى فكر الإمام الصدر ونتعرف منه على مدى فهمه للحياة وما يصلحها وما يفسدها، ولأجل ذلك، وشعوراً منا بالمسؤولية تجاه إمامنا القائد وشعبنا العظيم كان حريّاً بنا أن نقف ولو بشكل موجز على كل بند من بنود هذا الميثاق لنخلص معاً إلى بيان واضح وفكرة جلية حوله.
الشيخ علي فقيه



